القاضي التنوخي
89
الفرج بعد الشدة
دخل به داره بقرب دار ابن طاهر ، فكبسته في الموضع ، فإذا هو قد نزع تلك الثياب ، ولبس ثياب المكدّين الّتي رأيتها عليه أوّلا . فحملته ، وغطّيت وجهه ، وكتمت أمره ، حتّى أدخلته دار القاسم ، ودخلت إليه ، فقصصت عليه الخبر . [ اتّفقت الآن الروايتان ] 15 فلمّا فرغ القاسم من شغله ، استدعاه ، فقال له : اصدقني عن أمرك ، أو لا ترى ضوء الدّنيا ، ولا تخرج من هذه الحجرة - واللّه - أبدا . قال : وتؤمّنني ؟ قال : أنت آمن ، فنهض لا قلبة به . فتحيّر القاسم ، وقال له : خبرك ؟ فقال : أنا فلان الهاشمي ، وأنا رجل متجمّل ، وأنا أتخبّر عليك للمعتضد ، منذ كذا وكذا ، وأنزل في درب يعقوب « 19 » ، بقرب دار ابن طاهر ، ويجري عليّ المعتضد في كل شهر خمسين دينارا ، فأخرج كلّ يوم من بيتي ، بالزيّ الّذي لا ينكره جيراني [ 82 م 112 غ ] فأدخل دارا في الخلد ، بيدي منها بيت بأجره ، فيظنّ أهلها أنّي منهم ، ولا ينكرون تغيير الزيّ . فأخرج [ 63 ر ] من هناك بهذه الثّياب ، وأتزامن من الموضع وألبس لحية فوق لحيتي ، مخالفة للون لحيتي ، حتّى إذا لقيني في الطريق - بالاتّفاق - بعض من يعرفني ، أنكرني . فأمشي زحفا من الخلد إلى دارك ، فأعمل جميع ما حكاه صاحب خبرك ، وأستقي أخبارك من غلمانك ، وهم لا يعرفون غرضي فيخرجون إليّ من الأسرار - بالاسترسال - ما لو بذل لهم فيه الأموال ما خرجوا به . ثمّ أخرج فأجيء إلى موضعي من الخلد ، فأغيّر ثيابي ، وأعطي ذلك الّذي
--> ( 19 ) سمّي هذا الدرب : درب يعقوب ، لأنّ دار يعقوب بن المهديّ كانت فيه .